الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

52

مناهل العرفان في علوم القرآن

أم المؤمنين عائشة رضى اللّه عنها بالإفك . وفيها دروس اجتماعية لا تزال تقرأ على الناس ، كما لا تزال تسجّل براءة هذه الحصان الطاهرة من فوق سبع سماوات . ومن الأمثلة قوله تعالى في مفتتح سورة المجادلة : « قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ، وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ » إلى قوله تعالى « وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ » . وهنّ ثلاث آيات نزلن عندما رفعت خولة بنت ثعلبة شكواها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أن زوجها أوس بن الصّامت ظاهر منها ، وجادلت الرسول بأن معها صبية صغارا إن ضمّتهم إلى زوجها ضاعوا ، وإن ضمّتهم إليها جاعوا . ثالثها : لفت أنظار المسلمين إلى تصحيح أغلاطهم التي يخطئون فيها ، وإرشادهم إلى شاكلة الصواب في الوقت نفسه . ولا ريب أن تلك الأغلاط كانت في أزمان متفرقة ، فمن الحكمة أن يكون القرآن النازل في إصلاحها ، متكافئا معها في زمانها . اقرأ إن شئت قوله سبحانه في سورة آل عمران : « وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ » إلى آيات كثيرة بعدها ، وكلها نزلت في غزوة أحد إرشادا للمسلمين إلى مواضع أخطائهم في هذا الموقف الرهيب والمأزق العصيب . وكذلك اقرأ قوله سبحانه في سورة التوبة : « وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ . ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » وهي آيات تردع المؤمنين عن رذيلة الإعجاب والاغترار في يوم من أيام اللّه ، وتلفت نظرهم إلى مقدار تدارك اللّه لهم في شدّتهم ، وإلى وجوب أن يثوبوا إلى رشدهم ، ويتوبوا إلى ربهم .